قصة موت ... قصة حياة


ما اريد كتابته هنا هو قصة حياتي. قد تكون القصة اقرب الى الموت منها الى الحياة. قد يكون الموت مختلف عن الفهم العام لغالبية الناس له، فالموت له اشكال والوان مختلفة ويظهر في جميع مجالات الحياة. عندما تاكل وتشرب وتتنفس فعادة هذا يعتبر حياة. لكن عندما تشعر بعدم وجودك، ليس بالمعنى الفيزيائي وانما المعنوي، فعندها تشعر بوجودك وعدمه في نفس الوقت وقد تخسر الحياة معناها- هذا هو الموت الذي اتحدث عنه. هكذا هو شعوري للعشرين سنة الماضية. لا يوجد معنى لوجودي، لم اولد لاعيش واشعر بالحياة، انما ولدت لاشعر بالموت واعيد كتابة حياة مليئة بالموت بشكل مستمر.
بداية تطور هذا الشعور كان بالتوازي مع فترة نضوي وانخراطي في المجتمع المحيط بي. أتذكر تلك الأيام عندما كان عمري خمسة سنين عندما كنت العب مع أصدقائي ببقايا الأسلحة الغير متفجرة من الحروب والعصي والحجارة- طفولتي كانت خلال فترة الحرب الاهلية في كوردستان ولم نكن نملك أي شي اخر غير الأشياء التي ذكرتها انفا. في تلك الأوقات، كنت طفل اشقر ذو بشرة فاتحة وكنت قد تربيت في بيئة فيها الكثير من الاعتناء كوني قد مرضت عندما كان عمري سنتين مما أدى الى العناية الزائدة من قبل اهلي لي.
في تلك الفترة وخلال الانتفاضة الكوردية عام 1991، لم تكن الادوية متوفرة في المستشفيات وكان اهلي قد فقدو الامل حول نجاتي لكني في النهاية بدات بالتحسن. وخلال فترة طفولتي وانفتاحي على العالم الخارجي، كنت القب بـ"سبل خان" كاشارة عن جمالي ورقتي (سبل هي مغنية تركية مشهورة بجمالها). عندما كنت العب مع الأولاد، خاصة مع من كان اكبر مني، كانو عادة ما يقرصون وجنتي ويقبلوني. لم اكن افهم أي من هذه الأمور. ما كان هذا الشعور الذي شعرت به.
تطور هذا الشعور الى عقدة نفسية أدت الى انعزالي وعدم رغبتي في الخروج بشكل متكرر لانني اشعر بهذا الشعور كلما خرجت. ولنفس السبب، كنت اقرب الى البنات في منطقتي من الصبيان. اختلاطي بالبنات واندماجي معهم اعطاني شعورا جميلا، خاصة شعور انهم لن يؤذوني.
كل هذه المشاعر بدات بالنمو في داخلي، اختلافي عن المشاعر الرجولية، وبعد سنين من الخوف والالم، توصلت الى نتيجة ان هذا الشعور هو "المثلية الجنسية". لم اكن املك القابلية لتمييز هذه المشاعر ولم استطيع التكلم عنها ابدا لان هذه المشاعر محرمة وغير مقبولة في المجتمعات الشرقية والإسلامية كالمجتمع الكوردي كونها تؤدي الى عواقب كثير، لذلك كان يجب علي مراقبة كل تصرفاتي وكلامي.
كان لدى احد جيراننا ولدان وكنت قريب جدا منهم. في الصيف كنا ننام في سطح المنزل وكنت ازورهم احيننا ونبقى نلعب الى ساعه متاخرة من الليل. كنت في التاسعة من عمري حينذاك وكان لدى صديقي اخ اكبر في الرابعة عشر منه عمره آنذاك. في احدى الأيام، جاءني هذا الأخ الأكبر وقال لي "تعال نام على فراشي الى ان يرجع اخواني" كنت اثق به فذهبت معه. تحت الغطاء، بدأ بتلمسي ولاكون في غاية الأمانة، فقد شعرت بشعور جديد لم اشعر به من قبل الا انني كنت خائفا. خائف مما قد يحصل، فلم املك خيار اخر غير ان ابعده "وادافع" عن نفسي لان العواقب ستكون وخيمة اذا ما دخل علينا اخوته وعلم أهلنا بالموضوع لاحقا.
الا انه كان اقوى مني، مسكني بقوة وحصل اتصال جنسي. وعدني بانه لن يخبر أي احد وللمزيد من الأمان لي شخصيا طلبت منهم عدم البوح بما حصل اكثر من مرة. في فترة قصيرة من الوقت، كررنا ما فعلناه مرات عديدة واعطاني الموضوع شعورا باللذة وكنت اتوق لان افعلها مرة ثانية.
يوم ما كان منزلهم خاليا فدعاني ان اذهب الى منزلهم. حضنني من الخلف عندما دخلت وانزعني ملابسي وحضنني مرة أخرى. غمرني شعور غريب، بدا قلبي بالتسارع وجسمي بالارتعاش وعقلي ذهب لاماكن مجنونة، شعور بالبلل في ظهري بعد فترة ولم اكن اعرف ما هو السائل المنوي والنشوة الجنسية فتوقعت انه تبول علي. بدات ايامي سوداء منذ ذاك اليوم وتغير كل شيء بيننا وتضاعف خوفي يوم بعد يوم.
كسر وعده لي واخبر احد اقاربه في المنطقة وبدا الاثنان بتهديدي بانهم سيخبرون الحي بأكمله واخوتي الكبار. لم اكن املك أي قوة لامنعهم ولم اكن اريد ان اخرب سمعتي وسمعة اهلي فلم املك أي خيار اخر غير ان افعل ما يطلبوه مني.
انتشر الخبر في الحي خلال فترة قصيرة واطلق علي أولاد المنطقة لقب "المخنث". الجميع أراد الجنس مني وكانو يهددوني دائما بأن يخبروا اخوتي الأكبر مني مما كان يدفعني لفعل ما يريدون تجنبا لغضب اخوتي لانهم عرفوا ان اخوتي هم نقطة ضعفي. عادة ما تنتهي قضايا الشرف والسمعة بالدم في المجتمعات الكوردية وعرفت ان عقابي سيكون الموت لو وصل الخبر لاهلي. لايزال هذا الموضوع صحيح الى يومنا هذا. قد يكون المجتمع قد تغير نسبيا الى النظرة الى المثلية والمثليين لم تتغير. ومنذ ذاك الحين وانا حياتي خالية من الطعم واللون ومليئة بالموت.
عرفت انني ساعيش حياة مليئة بالخوف والرعب حيث الموت يهددني في كل لحظة ويقبض على انفاسي. ازاد هذا الشعور بالخوف يوما بعد يوم وانعزلت عن المجتمع تماما وتحولت الى انطوائي. لم اكن اذهب أي مكان اخر غير والمدرسة وحتى ذهابي الى المدرسة كان لا يخلو من شعوري بالخوف. كنت اذهب بعيدا عن المناطق الي اعرف ان بعض ساكنيها قد طلبوا مني الجنس في مرحلة ما او اخرج مع أصدقائي الذين اثق بهم لانهم استمروا باحترامي حتى بعد معرفتهم بسري.
كل مرة امشي فيها وحيدا في طريقي الى المنزل، أتذكر هذه التهديدات. كل مرة اذهب فيها الى المدرسة، لا يسعني سوى ان أتذكر ما جرى لي في حمام المدرسة من قبل ولدين. لم اشعر بشيء اخر غير الألم ولم يكن بوسعي فعل أي شي غير البكاء.
تكررت هذه الأفعال لانني كنت خائف وتحت التهديد المستمر. وعلى الرغم من محاولاتي العديدة لحماية نفسي وابعاد نفسي عن المشاكل، الا السمعة مرتبطة مع الجنس والحب في المجتمعات الشرقية. الحب والجنس يكون بين الرجل والمرأة فقط. اشعر بان هذه التقاليد هي لعنة قد لعن الله بها مجتمعنا. من لا يلتزم بهذه التعاليم في مجتمعنا الكوردي ينتهي مطافه بالموت.
حصلت على قبولي لدخول الكلية ومن حسن حظي ان الكلية في مدينة أخرى مما يعني خروجي من بيتي وعيشي في القسم الداخلي. احبني أصدقائي في الكلية واحترموني كثيرا، لم اكن اعرف ما قد تكون ردة فعلهم لو علموا بما حصل لي سابقا. ما قد تكون ردة فعلهم؟ ركزت كثيرا على إبقاء ما حصل معي بعيدا عنهم.
في المرحلة الثانية في الكلية، بدات مشاكلي النفسية بالتاثير على حياتي وطموحي واحلامي حيث كان ماضيي يقف كعقبة امام مستقبلي. في تلك الفترة من الدراسة، ذهبت على دكتور نفسي لمساعدتي على التخلص من مشاكلي النفسية. الا ان جميع الحلول كانت مؤقتة لانني لم اخبره بمشكلتي الحقيقية.
بعد الكلية، ذهبت لأرى دكتورة نفسانية، ومن دون اخبارها بالمشكلة الحقيقية، وصفت لها عقبات حياتي.
سالتني عن المشكلة الحقيقية والعقبة الحقيقية في حياتي؟
اخبرتها اذا كان حلها هو الادوية فقط فالافضل لي ان اخرج حالا من العيادة.
قالت لي بانها لا تستطيع وصف دواء لي من غير معرفة المشكلة الحقيقية.
لم يكن سهل علي التحدث عن المشكلة. كنت ابكي وعيوني مليئة بالدموع. اردت ان أتكلم عنها مرات عديدة لكن كنت دائما اشعر بان هناك شي يوقفني. قالت لي الدكتورة "انت في مكان امن. لن يعرف أي شخص اخر ما ستقوله لي سواي. اغمض عينيك او انظر الى الحائط وانت تتكلم واعتبرني غير موجودة وانك تتكلم مع نفسك فقط." فعلت ذلك بالضبط وتكملت عن الدودة التي تاكل في دماغي منذ طفولتي. بعد فترة اخبرتني الاتي: "من حقك ان ترفع قضايا قانونية ضدهم جميعا. الاغتصاب جريمة يحاسب عليها القانون. هم من يجب ان يشعروا بالخزي والعار وليس انت لانهم هم من فعلوا الفعل الخطأ وليس انت." رفضت فكرة القضية في المحاكم لان الجميع سيعرف بمشكلتي عندها. طلبت مني ان اكتب جميع ما حصل معي كقصة واقرأها عدة مرات او هي تقرأها لي عندما انتهي منها.
بعد عدة اشهر من العلاج اليومي، بدات اشعر بالتحسن. بدات اشعر بان تاثير الاعتداء علي بدأ بالزوال. لكن مع ذهاب المعاناة النفسية مع الاغتصاب، بدأ شعور بالخزي والذنب يتولد في داخلي لان النظرة العامة عن المثلية لم تتغير.
انا اهدىء بكثير حاليا من تلك الفترة. ومنذ ذاك الحين وفكرة كتابة ما جرى لي كقصة يتملكني ويسيطر على عقلي- ان اتحدث عن حياة مليئة بالخوف وسوء الحظ، حياة المثليين.
وخلال فترة تفكيري بكل هذه الأمور، التقيت بحبي الأول. الشخص الأول الذي اقابله وهو يشاركني الاهتمامات والهوايات. بسبب المجتمع، تاريخه مقارب لتاريخي. لم نشعر بالذنب لأننا كنا نصفين يكمل بعضنا الاخر. لعدة اشهر، كنا نتواعد في السر وازداد حبنا واحترامنا لبعضنا يوما بعد يوم. بسبب الكساد الاقتصادي الذي أصاب كوردستان في خريف عام 2015، هو والعديد من الشباب في كوردستان اختاروا الهجرة الى اوربا وهو يعيش كلاجىء في احدى تلك الدول.
في الخمسة والعشرين سنة من عمري، لم اشعر بهذا الشعور من السعادة من قبل. ولم يخرب سفره هذا الشعور غير انني اتوق الى ان اراه ثانية وابدأ حياة معه. لا اعرف ما يحمل المستقبل لي بعد كل الذي مررت به الا انني وجدت طريقي في الأخير. يجب ان اعمل على مساعدة المثليين واظهر للمجتمع الصورة التي يحاولون كبتها ويرونها على انها مسيئة. سواء كان عملي هذا في السر او في العلن، يجب ان افعله.
على الرغم من ان امكاني معرفة اهلي بحقيقتي قد تؤدي الى قتلي الا انني يجب ان استمر. انا لا اجلب العار لاحد ولست اشعر بالعار مما انا عليه واطالب بان ينظر الي المجتمع بهذه الصورة. ساعمل من اجل مجتمع حر، ليس فقط بالمعنى السياسي، وانما الحرية الشخصية للجميع.
ومن اجل كل هذا اريد ان أقول "شكرا جزيلا" للدكتورة النفسية التي انارت طريقي. اريد ان اشكر حبيبي وأقول له "أتمنى ان اراك ثانية".