رحلة البحث عن الهوية والهوية الجنسية


من بداية حياتي وانا لدي مجموعة من القوانين والأنظمة مزروعة في داخلي ولم يكن لدي شك بانها ستسبب لي بعض المشاكل في المستقبل. عندما كنت في سن الرابعة، اضطررت الى ان اترك الشورت القطني وحذاء الرياضة الذي عادة ما كنت ارتديه لاستبدله بثوب وردي وحذاء ابيض بناتي. المشكلة انني اكره الوردي والأبيض. بعد ذلك بمدة قصيرة، اضطررت الى استبدال جميع العابي من سيارات السباق وغيرها بباربي ومنازل للدمى. تركت دبي المحشي الأزرق الذي عادة ما كانت امي تخبرني بالكثير من القصص الخيالية التي تتمحور حوله حيث كنا انا وهو نذهب في مغامرات ممتعة. هذه كانت اجمل أيام حياتي. عندي سن السادسة، دخلت المدرسة. لم يعد الأولاد والبنات يجلسون معا على نفس طاولة الغداء كما كنا سابقا، فهمت فيما بعد بانها اكثر من محاولة الى خلق حواجز بيننا، انها محاولة للتركيز على الاختلاف بيننا. اختلافات ستتحول فيما بعد الى عامل الانجاذب الرئيسي بيننا، القطبين المختلفين ينجذبان كما يقال بالفيزياء. كنت صغيرة وما كان مني سوى اتباع التعليمات التي يمليها علي اهلي والمجتمع. قبل بداية العام الدراسي الجديد لي في الصف الثالث الابتدائي، اخذني والدي الى السوق لشراء مستلزمات الدراسة من أقلام وحافظات وغيرها. بعد البحث، قررت ان اشتري شنطة حمراء اللون في وجهها رسمة لسبايدرمان يقوم بحركته الشهيرة. كنت سعيدة جدا بشنطتي الجديدة وفخورة باختياري الموفق وكل هذا قبل بداية الدوام الرسمي للمدارس. كل هذا تغير عندما بدأ العام الدراسي ولم اجد أي ردود أفعال إيجابية من زملائي الاناث او الذكور حتى. لم اعرف مالذي يجب عليه فعله؟ اترك زملائي جميعا ام ارمي شنطتي التي كنت فخورة جدا بها. ابقيت شنطتي الحمراء وسبايدرمان بينما كانوا غالبية زميلاتي قد اشتروا شنط دزني الوردية اللون. قادني هذا الموضوع التي التفكير، لماذا هذا الاختلاف في داخلي؟ ماسبب رغبتي بأن أكون بطل خارق بدل من رغبتي في ان أكون اميرة؟ وبدأت الأسئلة بالانهيال علي رون توقف

عند سن الثالثة عشر، بدأت هرموناتي بالتغير وبدأت مرحلة البلوغ. بدأت مرحلة الألم الخفيف والشعور الغريب عندا يبتسم بوجهي ولد لطيفة او بنت جميلة. لم يكن هناك أي مشكلة حول شعوري تجاه الأولاد لكن عندما أشارك شعوري تجاه البنات مع احد من زميلاتي، عادة ما اجد نظرات استغراب وعدم موافقة منهم. باستثناء بنت واحدة كانت اكبر مني ببعض السنين، كانت تفهمني. تبين فيما بعد بانها افضل في التعاطف والتفهم من الحكم والنقد السلبي كالباقين. اخذت بيدي وساعدتني ان أرى عالم مختلف تماما، عالم لم اكن اعرف عنه أي شي ولهذا انا ممتنة لها للابد. احببتها كثيرا لكن الحب بين فتاتين في مجتمعنا مرفوض، سرعان ما أصبحت سمعتي سيئة بسبب هذا الموضوع. أصبحت مشهورة بانني "سحاقية". بدأت الاحظ نظرات غريبة من زميلاتي في الممرات والكافتيرا المدرسية ففضلت الانزواء لوحدي بعيدا عن هذه النظرات. لازلت أتذكر فتاة كانت في وقتها في المرحلة الأخيرة بالمدرسة كانت قد سألتني ان كنت مثلية- خفت كثيرا من سؤالها. قالت لي بانها سمعت بان هناك شي يجري بيني وبين هذا الفتاة وبانني مثلية، اخر جملة قالتها لي هي "من الأفضل لكِ ان تكون غير مثلية". لم اكن متأكدة ان كان هذا تهديد او نصيحة. لم اكن اعرف هذه الفتاة وكنت أتوقع الأفضل من زميلاتي لانني كنت في واحدة من افضل المدراسة الاهلية في المدينة. الا ان الامر لا يهمني كثيرا الان. في النهاية، الناس يخافون مما يجهلونه. اعتقد انها كانت تحاول ان تساعد رفيقة لها في المدرسة في ظروف عدائية محيطة. على الأقل انها جاءت وتكلمت معي بالموضوع ولم تكتفي بالنظرات المهينة كباقي الزميلات في المدرسة. عندما تتعامل المراهقات بلئم مع زميلاتهن، لا اعتقد انهن يفهمن مستوى الأذى الذي ممكن يسببه هذا الموضوع. لا اعتقد انهن يفكرن بالكراهية التي يزرعوها في قلوبهن. لم اعامل بكلمات رقيقة بل بالعكس، لم اقابل بالاحضان وانما بالكلمات الجارحة. الا ان بيتي الأول كان بيت محب. حاولوا ابي وامي ان يحموني من العالم الخارجي لكننا نمر في أوقات قد لا يصل اليها حب الاهل وحمايتهم.  كيف تحمي طفلك من مكان انت تؤمن بانه مكان مقدس ومليء بالحب كالمدرسة مثلا؟ لا يمكنك ان تحمهم لان المدرسة يفترض ان تكون المنزل الثاني لنا- مكان نشعر في بالأمان والحب. مالذي يحصل في داخلنا عندنا يتحول هذا المكان الى رمز للتعذيب والاهانة؟ ساخبركم مالذي يحصل، نشعر باننا في متاهة من الخوف والحزن وعدم الاطمئنان والكراهية. قادتني حياتي المدرسية الى أماكن مظلمة في لم اكن اعرفها بوجودها. كنت فتاة صغيرة وضعيفة في عالم غير مرحب بي. قادني هذا الى الانعزال الشديد بعيدا عن الناس. اخفيت شخصيتي الحقيقية بعديا عن الجميع. قادني المجتمع للايمان بالقصص الخيالية حيث البنت تنتظر الفارس المنقذ بدرعه اللماع والفارس ينتظر اميرته الجميلة. مررت بتجربة رومانسية مع شاب علمتني الكثير الا انها لم تستمر طويلا. ارتميت في حضن هذه العلاقة الى درجة ان فقد أي إحساس بشخصيتي، لم اعد احب نفسي كما كنت. اصبح هذا الشاب هو محور تركيزي واهتمامي. أصبحت حياتي كلها تدور حوله كما هو متوقع من أي بنت في هذا المجتمع. ولذلك فانه عندنا تركتي هذا الأمير، فقد أي هدف في حياتي. لم يعد لدي أي شي ولم اعد اعرف الى اتجه بعد ذلك او ما الفائدة. قبل مدة ليس بالبعيدة، التقيت بشاب تقبلني كما انا على اختلافي. ساعدني على تغيير نظرتي ودعاني الى الخروج من الصندوق المظلم الي وضعت نفسي فيه قبل سنوات عديدة. علمني كيف هو الحب بين الأصدقاء- شي لم اعشه من قبل. تعلمت كيف اتقبل نفسي والجميع على اختلافهم وكانت الخطوة المهمة هي في تقبل نفسي

مرت عشر سنوات منذ اول مرة بدأت في بالتشكيك بهويتي الجنسية وموقعي في المجتمع، الان استطيع القول بانني لم أكون اتخيل اني سأصل الى المكان الذي وصلت اليه الان. انا ممتنة لاهلي، اصحابي، كتبي، والانترنيت لانهم ساعدوني جميعا في رحلة استكشافي لذاتي. خلال هذه العشر سنوات، هذا ما توصلت اليه، هويتي الجنسية هي ليست شيئا اختاره اني لنفسي- قد تختار غدائك او نوعية قصة الشعر- لكن لا احد يختار ان يجعل حياته اصعب من الجميع بمحض الإرادة. حتى ولو كنت قد اخترت ان أكون مختلفة في بداية الامر، اعتقد اني كنت ساعود واتغير مرة ثانية لاصبح مثل الغالبية خاصة بعد جميع التجارب السيئة التي مررت بها. كنت ساتعلم درسي بعد اول ردة فعل سلبية كما حصل معي عندما طلبت الشطة الحارة مرة واحرقت لساني فلم اعد اطلبها مرة ثانية. لو كانت الهوية الجنسية اختيارية، لكنت اخترت ان أكون في مأمن من النقد والنظرات الغريبة وأصبحت كما يريدني المجتمع ان أكون. الا انني لا استطيع. العكس تماما هو ما حصل، حاولت ان اهمل جزء حقيقيا مني رغبة مني في الانقياد وراء رغبة المجتمع الان انني لا استطيع اني افعل ذلك للابد. على الرغم من انني أعيش في بلد مثل العراق، خوفي من عدم قبولي في المجتمع لم يعد مثلما كان، لم يعد لدي هذا الهاجس في الحصول على القبول من الناس. جزءا من السبب هو انني وجدت أناس يقبلوني على ما انا عليه من اختلاف. لا يهم ماهي هويتي الجنسية وانا غير مجبرة باني اشرح للجميع ما انا عليه. لم تكون علاقتي من الشاب اكثر أهمية من علاقتي مع الفتاة ففضلت ان لا اضع ملصقا على نفسي يحدد هويتي. انا ولدت هكذا وارفض الاعتذار عن شيء ليس بيدي. الا ان الموضوع الأهم هو اني تعلمت بان ما نولد عليه لا يحددنا وانما اختياراتنا في الحياة هي ما تعرفنا وتحددنا. هويتي الجنسية هي ليست اختيار. كل يوم اكتشف شيء جديد عن نفسي واعرف المزيد عن نفسي. هذه هي النعمة الحقيقية في الحياة. لا يزال امامي حياة طويلة مليئة بالاكتشافات لأنني لم انتهي بعد الا انني اعرف جيدا انني في على الطريق الصحيح.