تمكنتُ وأجتزتُ الحواجز


قصتي تبدأ بقصةٍ، لا احتاج الى وقت طويل كي اكتبها ، لكني استغرقتُ وقتاً طويلاً لاختار اي حدثٍ اضعه في المُقدمة !؟ومن اين ابدأ..؟  فأنا داخل سجن تحيطه الجدران. سجني جدرانه شفافه لا تُرى لكنها صلبة كالماس حوافها مدببة وحادة مكسيةً بقطرات مزيج بركاني يُحول اي شيء يعترضه الى كومة اشلاء مبعثرة. 

حياتي داخل هذا القفص المجتمعي الكبير ضيقة، نهاري مظلم لان شمس حريته لا تشرق وليلي من دون قمر لان قمر المحبين محرم حيث انا. فضلت ان ابدأ قصتي من مرحلة الطفولة فهي كالاصلاحية جميع السجناء مجتمعين معاً فيهم القاتل والبريء، السارق وصاحب الرأي ومنتقد النظام جميعهم يجتمعون هناك قبل ان يُرحلوا كلٌ لزنزانته، كما ان حرية الطفولة من دون قيود مكفولة ما دامت اعضائي لم تنضج بعد

مرت سنواتي الست الاولى ببكاء وصراخ وحليب

بدأتُ التعلم في المدرسة والحياة ، غير ان دروس الحياة كانت اسرع، اول ما تعلمته كيف اواجه الاسرة .. كوني انثى   في مجتمعٍ ذكوري تطاردني العائلة اولاً لاني كما يصورون تمردتُ على قوانين كانت موضوعة حصراً لاناثٍ داخل المنزل وهي تتمثل في فرض الحجاب عليّ ومن ثم رفضهم ان استمر في دراستي فهي تعيد تشكيل احاسيسي ورغباتي. كانت القيود الضيقة تشعرني بالتوتر والتناقض فأسورة الاسلاك الحديدية لا تعطي الفرصة للحركة كي لا تزداد الالام، وهي كذلك. فالانصياع للاوامر والقوانيين المجتمعية تخفف الالم الجسدي لكنها تزيد من الام المشاعر، فانتي تُخفين ما تُحبين ولا ترفضين ما تكرهين بصورةٍ علنية. في مجتماعتنا نحن مُسيرات بفعل الدين والقبيلة. 

رغم تطور الحياة واختلاف الانسان الشرقي كثيراً عن بداياته الا انه ورثَ نظرته للمرأة، في غوابر التأريخ كان يدفنها تحت التراب والان هو يدفنها فوقه. ناهيك عن  اذا ما شعر او وجد ان تلك المرأة مثلية. 

كل تلك العوامل دفعتني لأخفي هويتي الجنسية، ففي كل الاحوال كلمة "الجنس "في مجتمعي لا تُكتب ولا تقرأ فهي من مُخجلات الكلام والتصرف، يكتبونها فقط في هوية التعريف  "الجنس" لتمييز طفولتي فيما يدل جسدي عني عندما اكبر، وهو ايضاً ليس ملكي فهو ملك اصحاب القرار علي من اهلي فهم يختارون لي طريقة العيش وكيفية التعايش، همهم الاول والاخير ان اشبه الاخريات بالزي والتصرفات. 

الحياة البسيطة التي كنتُ فيها مع اسرتي في ذلك الحي الشعبي الفقير وحياة الناس هناك المليئة بالتدخل والتداخل فيما بينها جعلت منا نحن الفتيات كثيرات التعايش معاً فالفتيةُ يُهيمنون على الشارع ونحن لنا المنازل نلعب ونلهوا بها.

  كنت في الرابعة والنصف من عمري حين ادركت ان ثمة تفاصيل  في شخصيتي وسلوكي تختلف عن الاخريات 

لم يكن ذلك الاختلاف في اللباس او الازياء كنظيراتي المثليات اللاتي  يبدء الامر لديهنّ في رفضهنّ للباس الانثوي وميولهنَّ الى اخر اكثر ذكرية 

قطعاً كان الامر يختلف جذرياً معي فأنا لغاية الان ما زلتُ مهتمةً جداً بتفاصيل انوثتي حتى انني ابالغ احياناً في التعبير عن سعادتي في ان اكون انثى ... ولم افرط في ذلك مطلقاً . لكن الاختلاف الذي كان هو في سلوكي هو انني اجد نفسي من الذكور اكثر واحب صفاتهم والاختلاط بهم ... حتى في مواقع العمل اكون سعيدةً عندما ادرك ان الفريق الذي اعمل معه هو فريق من الذكور اجدُ مساحةً كبيرةً في الحوار والتعاطي. وليس مغالات ابدا اذا قلت انني لم امتلك الكثير من الصديقات وان المجتمع النسوي احسه غريباً علي . لا اجيد الاحاديث النسويه ولااعرف كي اختلط بهن وكيف اتقرب اليهن في حين كانت علاقتي بالجنس الاخر ممتازه 

في عمر الرابعة والنصف تحديداً ورغم عدم اختلاطي بالفتيات ولاحتى اخواتي الكثيرات اللاتي يشاركنني المنزل ... كانت هنالك فتاة واحدة تفوقني بعام، كنتُ احبها كثيراً ولا افهم ما سر تعلقي بها رغم انني لا اجيد الحديث او اللعب معها . فأنا اكتفي في الصمت والتأمل بوجهها بينما هي تتحدث او تلعب . لكن ذلك الصمت كان يترك في نفسي فرحةً كبيره ولم اكن ادرك الاسباب .. بدأت اتقرب منها اكثر واكثر فحدث بيننا انجذاباً كبيراً عرفتُ عندما كبرت انه الحب الاول ... كانت صديقتي تلك تشبهني في كثير من الصفات منها اختلاطها بالجنس الذكري ومناصرتها للفتيات في ازقة حينا الشعبي اذا ما واجهت اي فتاة احد صبية الحي كانت ثورتها انثوية بحتة

احساس الثوره الذي كان يعتلي صدر رفيقتي الاولى احسسته عندما دخلتُ المدرسة حيث كان عمري سبعة سنوات وكنت حينها في الصف الثاني ابتدائي  عندما قرر استاذ مادة الرياضيات  ان يُعاقب من يرسب  في مادته بالضرب بعشرة ضربات على يديه بواسطة عصاه  الخشبية الغليضة ... عندها كانت احدى التلميذات قد رسبتْ. فنادى بأسمها كي تأخذ العوقبه التي ارتضاها. ما ان ضربها الضربة الاولى حتى شعرت بألمها يخترق احساسي ويشكل تلك الثورة. فرفضت ذلك صارخةً في وجه المعلم ... فأمتعض من تصرفي .وأذكر لغاية اليوم العبارة التي قالها لي:  ( اذا كنت المحامي مالتها و وصايرتلي البطل الخارق تعالي صيري بمكانها وتحملي هذا الضرب ) وانا على الفور لم اتردد مطلقاً وغادرت مكاني كي اخذ عقابها واذكر ان يداي ورمت ولم تصدق عائلتي هذا الروايه حتى عندما اريتهم اوراق اختبارات الامتحان التي كنتُ فيها متفوقةً بأمتياز .. على كل حال 

 سار الامر وبقيت افكر في نفسي مالذي حملني على فعل هذا الامر ؟  وعرفت لاحقاً انه ليس موقفاً انسانياً ورفضي للظلم فحسب .. وانما شعوري اتجاهها كان بدافع الحب المختبئ بين اوردة قلبي قبل ان يتفجر شوقاً لرؤيتها في فترات العطلة الصيفيه، لكن ذلك ظل حباً من طرفٍ واحد كما يقال .

ومررتُ بعد ذلك بتجاربٍ مختلفه بعضها كان موفقاً واخر بقي حبيس صدري ومنه من لم يفلح مطلقاً ... رغم ذلك كان الاختلاف لدي هو في صفاتي ذكرية الطابع ..

وصلت لعمر المراهقة في السابعة عشر من العمر سجلت في الاعوام المنقضية بعض اسماء حبيباتي في صفحات قلبي. تبادلت المشاعر مع بعضهن عشت قصص الحب الجميلة على وقع تبادل المراسلات والاشواق المليئة بالقبلات والحنان انقضت الايام الجميلة بسرعة الفرس المتلهف لوجبة نصر شهية بعد سباق الزمن، كان فتيان الحي الذين غدوا شباناً يسعون لكسب عاطفتي بعضهم يرافقني عند الخروج يحسب خطوات اقدامي، بعضهم يُسمعني كلام الشعر، لكن كل تلك المحاولات لم تشغلني ولو للحظة عن التفكير بأحدهم ، انتقلت من حي سكني الى مكان اخر اجمل شكلاً واكثر وحشةً وظلمةً فلا رفيقات لدي ولا حبيبات بقربي ولا فتيات الجيران يدخلنة دارنا، حاولت ان اصبر نفسي بالذكريات مع ازدياد وقع قيود العائلة لكني ما زلت مستمرة بتمردي المخفي لكل ما اقبله بلساني، بدأتُ اتعايش مع تناقضات المجتمع افعل امامهم ما يريدون رؤيته واطلق لنفسي العنان بعيداً عن الاعين داخل اروقة البيت المضلمة، لكني لم افلح طويلاً.

الشكوك بميولي اتجاه الفتيات بدأ يتردد في اذهان عائلتي. سرعان ما قرروا ان يتخلصوا منها ويريحوا ادمغتهم الصغيرة بتزويجي، صُعقتُ بقرارهم وانا اجلس بين نساء كثيرات مغطات باقمشة سوداء كأنهن في عزاء لقتيلة، انهن اهل من سأتزوج. يرتدين عباءات الرأس، اتفرجُ بعيون ذابلة، وافكرُ كيف ساعيش مع رجل وانا لا اهوى الذكور، زوجوه بي او بحسب رأيهم زوجني به، لا تفارقني تلك الليلة التي اُغلقت فيها باب الغرفة الموحشة وبدأ بنزع ملابسه وانا في ركن الغرفة كالكبش الصريع لا اقوى على الكلام، او الهرب فهو جزار يتهيء للذبح، تقيئت عندما رأيت جسده الغريب فانا لم ارى سوى جسد الطفل الذكر. وبهذه الليلة بدأتُ صراعاً جديداً أوله اغتصاب من الزوج واخره ضرب لاني لا احب ان يتقرب مني، لم يمضي الكثير حتى اعادني لبيت عائلتي وطلقني، عرفت كيف اجعله يكرهني ولا يرغب برؤيتي في فراشه.. رغم كل الالم الذي سببه لي لكني احسست بنشوة الانتصار، عدت ُ من حيث ذهبت لتعود معي مشاعر القلق لدى اهلي بعدم تقبلي للرجال، تحججت انه تركني  لانه كان يضربني لاي سبب او حتى من دون سبب.

عدتُ الى القيود القديمة المتجددة بافكار حديثة تقيدني اكثر. حاولوا دفعي لاترك دراستي لكني استمريت باقناعي والدي بضرورة الدراسة لي وبعد التحايل والشجار والعنف بقيت في دراستي وانهيت المراحل الاعدادية ودخلت الجامعة، هنا احاسيسي بدأت تُستثار وتتهيج اكثر برؤيتي للفتيات الجميلات لم اعد احتمل اخفاء مشاعري واحاسيسي بانني مثلية. في الجامعة  ارتبطتُ بعلاقة حب مع صديقةٍ لي كان جو الكلية اكثر تحرراً لان الجميع فيها مُخنق مما يعيشه خارج اسوارها، كنا نتصرف على طبيعتنا امام الجميع، لكن حتى اجواء التحرر النسبي داخل الجامعة لم تمنع من  تحولينا الى مجلس تحققي داخل الجامعة لمعرفة ما كان يجري في الحمامات  النسائية -منطقة تلاقي الحبيبات الاخريات- كنتُ  لا اعير اهمية الى ما يقال، بدا سلوكي  واضحاً حتى انني لم اعد قادرة على اخفاء النظرات التي تتطاير من عيني عندما اُعجب بفتاة .حتى ان احد افراد عائلتي ناداني ذات مرة  بكلمة اكرهها جداً وهي ( السحاقية ) . 

لم اكن اهتم لمجالس التحقيق الجامعي فلا يوجد اثبات علينا ولا حتى الجامعة قادرة على فصلنا لسبب محرم في مجتمعنا خوفاً من ردات فعل المجتمع من الكلية وتوجساً من اثارة فزع الاهل فلا يقبلون التحاق بناتهم في هذه الكلية او حتى في الجامعة ككل خوفاً على بناتهم.

اكملت جامعتي .حصلت على عمل. غيرتُ سكني. وتنقلت بين منازل اخواتي واخواني المتزوجين وعدتُ بعدها للسكن مع والدي، عنادي ورفضي جعلني اتنقل كثيراً، التقيت في العمل بزميل  كان يحب التقرب مني والتودد لي كصديقة قبلت صداقته فانا اشعر انه يشبهني بالصفات الرجولية التي احسها داخلي هو لم يكن يعلم ذلك لكنه تودد لي، اصبحت صداقتنا اعمق. لكني لم اتجرئ انه اخبره بحقيقة مشاعري اتجاه الفتيات وحبي للنساء بدل الرجال، كان يتكلم بعفوية تامة امامي يقول ما يعجبه من دون تكلف، حتى علاقاته مع الاخريات كان يحدثني بها وكنت احسده في حالات كثيرة على الحرية التي يتمتع بها في اقامة علاقات مع الفتيات، اما انا فخياراتي محدودة على من تشعر بما احس به، وذات مرة في استراحة الغداء كانت المؤسسة التي نعمل بها تشهد توافد الكثير من الضيوف لاتمام اعمال مشتركة ونحن نجلس في كافتريا الغداء حتى مرت بالقرب منا  انا وزميلي فتاة جميلة تقاسمنا النظرات عليها حتى بدونا نأكلها بنظراتنا الحارقة، التفت لي وحدثني عن جمالها.فاجبته:

-انها جميلة جداً كانها زهرة متفتحة وممتلئة بالرحيق (يابخت من يحظى بها). 

حدثته وعيناي تلمع وفؤادي يشتعل من التعطش لها. فانا لم احضى بحبيبة منذ زمن، وهي من النوع الذي يُشتهى كل لحظة انها لا تُفارق، صمتَ لبرهة ، يطالع بوجهي الذي احمر مع اذني وبدا مشعاً جداً .

وقال:

-راح تاكليلها، علكيفج اعرف بيج مثلية بس ترة الي يشوفج راح يكتشف امرك.

هكذا حدثني ثم انزل عينه ليكمل غدائه لم يتحمل كثيراً حتى رفع رأسه وقهقه بضحكة جذبت الانضار لنا، انه مصاب بهستيريا الضحك، ازداد احمراري لكن هذه المرة خجلاً فحتى فتاتي العشرينية الجملية التي كنت اغازلها بنظراتي تطالعنا، 

مرة لحظات معدودة حتى عاد الى رشده وانكفى عن الضحك فهو خجول ايضاً، اعتذر لي لانه لم يقصد اهانتي لكنه تذكر ايام مراهقته بوجهي الخجول والمليء بالعواطف المكبوتة، ومنذ ذلك الحين اصبحت اطلعه على اسراري واحاسيسي اتجاه النساء بما فيها نساء  العمل، صارحته بالكثير اصبح صديقي المقرب الذي اشكو له قيود اهلي والمجتمع، وبعد اشهر قليلة على معرفتي به طلب ان يتزوجني. ذكرته بمشاعري وحبي للنساء فقال :ان هذا هو سبب زواجه بي، فهو منفصل عن زوجته السابقة واهله يطلبون منه الزواج والاستمرار في حياته المستقرة بنظر الاهل وهي (الزواج الروتيني الممل)، عاهدني انه سيكون زواج شكلي يحميني فيه من اهلي والمجتمع ويبتعد هو عن كثرة كلام اهله وازعاجهم له بموضوعة الزواج، والاهم من هذا ان لكل منا حريته في العيش بالطريقة التي يرغب بها داخل المنزل فكلانا نحب النساء.

طلبت بعض الوقت للتفكير ولكن سرعان ما وجدت انها فرصة لا تُعوض لنيل حريتي بعيداً عن اهلي والمجتمع، وتم الزواج ومضى الوقت ونحن ما زلنا على اتفاقنا نعيش في منزل واحد وكل واحد منا له مشاعره ولديه حبيبته، لكن رغم هذه الحرية الجزئية، غير انني  اعلم ان من يطاردني الآن  ليس احد افراد اسرتي فانا متزوجة امامهم ...

 يطاردني الان اشخاص متعددون ... الاعراف القبليه تطاردني . المليشيات . المؤسسات الدينة ... والنساء ايضا يطاردنني برفضهن الي وبالنظره القاصرة اليّ عندما يدركن حقيقة هويتي الجنسية. 

الماضي قد يبدو قاسياً لكن الغد وحتى -ان لم نكن حاضرين فيه- سنجعله مشرقاً للمثلين 

الذي سيكون حتماً قوساً قزحياً بألوانهم المُضافة .  لا نستعر من انفسنا فليس هنالك مايستحق   

 ذلك .

ولدت مثلية، تقبلني او ارفضني، لكنك ستعترف بي الان او غداً.